أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
169
التوحيد
العبد لا يبلغها أوهامهم ولا يقدرها عقولهم ، وأحوال فيها ينتهي إليها قصدهم وتبلغها عقولهم ، فثبت أنها من الوجه الأول ليست لهم ، ومن الوجه الثاني لهم . فالأول كتصوير خروج الشيء من العدم إلى الوجود وكأخذ الفعل من قدر الجو والمكان والحد الذي لو أحب أن يعود إليه ما أمكنه بلا فيه ، والثاني نحو التحرك والسكون بالمنهي والمأمور به ، ثبت أن فعلهم من الوجه الأول ليس لهم ، ومن الثاني لهم . ولو جاز تحقيق فعلهم من الوجه الأول على ظهور خروجه من قصدهم وجملتهم مختلفة مما ذكر ، وعجزهم عن العود إلى مثله لجاز كون العالم على ما عليه بمن لا يقدر ولا يعلم ولا يعرف مقادير كل شيء ، ويجوز أيضا آيات على ما هي عليه بالبشر وإن لم يكن بمثلها علم ولا عليها قدرة . فإذ لزمهم القول بالصانع والرسل بخروج الذي ذكرت عن وسع الخلق فمثله أفعال الخلق ؛ ولذلك قال اللّه سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وأوجب أن تشابه الخلق من الوجه الذي قلت تماثلا ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إنّا نجد أفعال العباد تخرج على حسن وقبح ، لا يعلم أهلها أنها تبلغ في الحسن ذلك ولا في القبح ، بل هم عندهم نفسهم في تحسينها وتزيينها ، وهي تخرج على غير ذلك ، بأن جعل أفعالهم على ما هي عليه ليست لهم ، ولو جاز كونها على ذلك لهم ، وهم لا يعرفون مبلغ الحسن والقبح ، فإذا لا جهل يقبح الفعل ولا علم يحسنه ، فثبت أن فعلهم من هذا الوجه ليس لهم ، ولا قوة إلّا باللّه . اللهم إلا أن يقولوا : هي لأنفسها كانت كذلك ، فإذا استقام حسن الفعل وقبحه لأثمر له الفعل نفسه ، فاللّه تعالى به أحق من الشيء من نفسه ؛ إذ الشيء - بحيث نفسه - جاهل بما هو عليه . مع ما لو جاز كون حسن وقبح بلا منشئ له لجاز كون كل شيء بلا منشئ ، وفي ذلك الخروج من الإسلام ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إنا نجد الأفعال مؤذية لأهلها ومتعبة ومؤلمة ، ومحال تأذّى الطبع بلا مؤذ وتعبه بلا متعب وتألمه بلا مؤلم ، فثبت أنها مؤلمة متعبة مؤذية إن قصد أربابها إلى أن يتلذذوا بها ويتمتعوا ، فثبت أنها كذلك لا بهم ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا القول بالمتعارف في الخلق أن لا خالق غير اللّه ولا رب سواه ، ولو جعلنا حدث الأفعال وخروجها من العدم إلى الوجود ثم فناءها بعد الوجود ثم خروجها على تقدير من أربابها لجعلنا لها وصف الخلق الذي به صار الخلق خلقا ، وفي ذلك لزوم القول بخالق سواه ، وفي جوازه مناقضة قول من ذكرت . مع ما لو جاز ذلك لجاز القول برب فعله وذلك مدفوع ، وباللّه التوفيق . وأيضا إن العباد إذ أفعالهم في الحقيقة حركات وسكون في الظاهر ، واللّه قادر